السيد محمد باقر الصدر
37
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
أرسطو حين جعل الاستقراء الكامل دليلًا لم يكن يحاول الاستدلال به على أنّ هذا الحجر يتعرّض للجاذبيّة أو ذاك يتعرّض للجاذبيّة ، بل على أنّ كلّ أجزاء المادّة تتعرّض للجاذبيّة . فقد رأينا في نصّ متقدّم لأرسطو أنّه يميّز بين القياس والاستقراء ، فيرى أنّ القياس دليل على ثبوت الحدّ الأكبر للحدّ الأصغر بواسطة الأوسط ، وأنّ الاستقراء دليل على ثبوت الحدّ الأكبر للأوسط بواسطة الأصغر . وعلى ضوء هذا التمييز من أرسطو بين القياس والاستقراء نستطيع أن نعرف أنّ النتيجة التي يراد في الاعتراض تحميلها على الاستقراء الكامل ، وهي : أنّ هذا الحجر أو ذاك يتعرّض للجاذبيّة ، ليست نتيجة مستدلّة استقرائيّاً عند أرسطو ، بل هي مستدلّة قياسيّاً . فنحن حين نستعمل القياس نقول : ( هذا الحجر مادّة وكلّ مادّة تتعرّض للجاذبيّة فهذا الحجر يتعرّض للجاذبيّة ) ، وبذلك نكون قد أثبتنا الحدّ الأكبر ( وهو التعرّض للجاذبيّة ) للحدّ الأصغر ( وهو هذا الحجر ) بتوسّط الحدّ الأوسط ( وهو كونه مادّة ) . وأمّا الاستقراء فيستعمله أرسطو كما يلي : هذه الأفراد تتعرّض للجاذبيّة . وهذه الأفراد هي كلّ أجزاء المادّة . إذن فكلّ أجزاء المادّة تتعرّض للجاذبيّة . ويسمّي أرسطو ( الأفراد ) - هذا وهذا وهذا - بالحدّ الأصغر ، ويسمّي ( المادّة ) بالحدّ الأوسط ، ويسمّي ( التعرّض للجاذبيّة ) بالحدّ الأكبر ، ويقول : إنّ الاستقراء يدلّ على ثبوت الحدّ الأكبر للأوسط بواسطة الأصغر ، لا الأكبر للأصغر بواسطة الأوسط ، كما كان في القياس . وهذا يعني أنّ النتيجة المستدلّة بالاستقراء هي : أنّ كلّ أجزاء المادّة تتعرّض للجاذبيّة ، لا أنّ هذا الحجر أو ذاك يتعرّض للجاذبيّة .